ابن بسام
49
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وكادت تتم مصاهرته له . وبلغ ابن أبي عامر فقامت قيامته ، وكاتب غالبا يخوّفه الحلية ويهيج منه الحقد . وألقى عليه أهل الدار وكاتبوه فصرفوا غالبا ، ورجع إلى محمد بن أبي عامر وأنكح ابنته أسماء منه ، وتمّ العقد له في محرم سنة سبع وستين ، وأدخل السلطان تلك الابنة إلى قصره وجهّزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله ؛ فظهر كلّ الظّهور ، واستوثق له التدبير ، وصار عنده جعفر لا شيء ، إلّا أنه غالطه زمنه إلى أن أحكم أسباب صرفه . واستقدم السلطان غالبا وقلّده خطّة الحجابة مشتركا مع جعفر . ودخل ابن أبي عامر بأسماء بنته ليلة نيروز العام المؤرّخ ، وكانت أعظم ليلة عرس بالأندلس . ولجعفر في ذلك رسالة إلى السلطان حسنة في بابها تملّق فيها وتصنّع ، وهو قد أيقن بالنكبة ؛ وكفّ عن اعتراض ابن أبي عامر في شيء من التدبير . وابن أبي عامر يداهنه ولا يكاشفه ، وجعفر يشكّ في أمره ، قد استولى عليه الإدبار والحيرة ، فلم يصحّ له رأي ولا رويّة ؛ وانقبض الناس عنه ، وانثالوا على ابن أبي عامر ، إلى أن صار يغدو [ 47 ] إلى قصر قرطبة ويروح وحده وليس في يده من الحجابة سوى اسمها ، وابن أبي عامر قائم بشروطها ، ينصب الحبائل لسقوط جعفر ، والأقدار السماويّة تنجده . وكانت للّه عند جعفر في إيثاره هشاما بخلافته ، واتّباعه شهوة نفسه وحظّ دنياه ، وتسرّعه إلى قتل المغيرة لأوّل وهلة دون قصاص جريرة استدركته دون إملاء ، فسلّط عليه من كان قدّر أنّه يتسلّط على الناس باسمه . / ولما اتفقت على جعفر هذه الأسباب ، جدّ المقدار به وسخط السلطان عليه وعلى ولده وأنسابه وعلى أخيه هشام وسائر طبقته ، وطولبوا بالأموال وأخذوا برفع حساب تصرّفوا فيه لأول الزمان . وأخذهم ابن أبي عامر بالخروج عنها ، وتوصل بذلك إلى استئصال أموالهم وانتهاك حرمتهم وأبشارهم ، واجتثاث أصولهم . وكان هشام ابن أخي جعفر قد بلغ من حسادته لابن أبي عامر أن سرق له في غزاته الثالثة في طريقه رءوسا للنصارى كانت تساق للحضرة ، فنفسه فيها وأمر غلمانه فصبّوها في النهر ، فقامت قيامة ابن أبي عامر لذلك ، وكاشف آل عثمان من ذلك اليوم ؛ وتجرّد لإبادتهم فاستبلغ في مكروه هشام وعاجله بالقتل في المطبق قبل عمّه جعفر ، فلما [ قتل ] استقصى ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرّصافة ، وكانت من أعظم قصور قرطبة . واستمرّت النكبة عليه سنين ، مرة يحبس ومرّة يخلّى ويقرّ بالحضرة وتارة يسيّر عنها ، ولا يراح [ 1 ] في الحالتين
--> [ 1 ] النفح : ولا براح له .